القدرة الحربية.. والمسائل المنهجية في تحليلها

العقيد (م)

محمد‭ ‬بن‭ ‬فراج‭ ‬الشهري

تتابع‭ ‬القوى‭ ‬العظمى‭ ‬سباق‭ ‬التسلح‭ ‬بمقاييس‭ ‬وإيقاعات‭ ‬لم‭ ‬تُعهد‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬وفق‭ ‬شروط‭ ‬تمكنها‭ ‬من‭ ‬إعداد‭ ‬المحاربين‭ ‬الجدد‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬المادية‭ ‬والمعنوية،‭ ‬وتبقى‭ ‬هناك‭ ‬ضرورة‭ ‬ملحة‭ ‬للمحافظة‭ ‬على‭ ‬القدرة‭  ‬الدفاعية‭ ‬للدولة،‭ ‬القدرة‭ ‬القتالية‭ ‬لقواتها‭ ‬المسلحة،‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الذي‭ ‬يتيح‭ ‬صد‭ ‬كل‭ ‬معتدٍ‭ ‬صدًا‭ ‬فوريًا،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تزداد‭ ‬أهمية‭ ‬استمرار‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬القضايا‭ ‬النظرية‭ ‬التي‭ ‬تتعلق‭ ‬بالقدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة‭ ‬والقدرة‭ ‬القتالية‭ ‬للقوات‭ ‬المسلحة‭ .‬

تلاقي‭ ‬مناهج‭ ‬البحث‭ ‬المتعلقة‭ ‬بتحليل‭ ‬جوهر‭ ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدول‭ ‬ومحتواها‭ ‬ووظائفها‭ ‬انعكاسًا‭ ‬معينًا‭ ‬في‭ ‬المراجع‭ ‬الفلسفية‭ ‬الحربية‭.‬

وتنوّه‭ ‬الأعمال‭ ‬المذكورة‭ ‬بأن‭: (‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة‭ ‬قيمة‭ ‬نسبية‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬استعدادها‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬خوض‭ ‬الحرب‭ ‬ضد‭ ‬الدولة‭ ‬الأخرى،‭ ‬ولاسيما‭ ‬عند‭ ‬تعبئة‭ ‬قوى‭ ‬المجتمع‭ ‬المادية‭ ‬والمعنوية‭ ‬بكاملها‭)‬،‭ ‬وتشمل‭ ‬الطاقات‭ ‬الكامنة‭ ‬للمجتمع‭: ‬الطاقات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬والعلمية،‭ ‬والسياسية،‭ ‬والحربية‭ ‬بخاصة‭. ‬تلك‭ ‬الطاقات‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بدلائل‭ ‬العددية‭ ‬والنوعية‭ ‬تصبح‭ ‬الطاقات‭ ‬وعناصرها‭ ‬عوامل‭ ‬أساسية،‭ ‬وبالأخص‭ ‬عندما‭ ‬توضع‭ ‬قيد‭ ‬العمل،‭ ‬وعند‭ ‬احتمال‭ ‬هجوم‭ ‬العدو‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬أثناء‭ ‬الحرب‭). ‬وبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الطاقات‭ ‬تبرز‭ ‬الطاقة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬لجوهر‭ ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة‭ ‬ومحتواها‭ ‬مدعم‭ ‬البراهين،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬يتيح‭ ‬المجال‭ ‬لتدقيق‭ ‬الحجم‭ ‬والمحتوى‭ ‬والعلاقات‭ ‬لمفاهيم‭ ‬متعددة،‭ ‬مثل‭: ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة‭ (‬الطاقة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة‭) (‬القدرة‭ ‬القتالية‭ ‬للقوات‭ ‬المسلحة‭)‬،‭ ‬وكذلك‭ ‬تحديد‭ ‬مصادرها‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬وجهات‭ ‬نظر‭ ‬مختلفة‭ ‬بعض‭ ‬الشيء‭.‬

تنحصر‭ ‬القضية‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة‭ ‬التي‭ ‬تتجسد‭ ‬بالقدرة‭ ‬القتالية‭ ‬للقوات‭ ‬المسلحة‭ ‬مباشرة،‭ ‬ويمكن‭ ‬ظهورها‭ ‬من‭ ‬الناحيتين‭ ‬المترابطتين‭ ‬ضمن‭ ‬خطة‭ ‬توظيفها‭ ‬الفعلي،‭ ‬حيث‭ ‬تبحث‭ ‬كحصيلة‭ ‬ذات‭ ‬دلائل‭ ‬عددية‭ ‬ونوعية‭ ‬معينة،‭ ‬وضمن‭ ‬خطة‭ ‬التشكيل،‭ ‬حيث‭ ‬يدور‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬مصادرها‭ ‬ونشأتها‭ ‬وتطورها‭.‬

يمكن‭ ‬الحكم‭ ‬بالفعل‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة‭ ‬التي‭ ‬تُشاهد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توظيفها،‭ ‬وذلك‭ ‬حسب‭ ‬القيمة‭ ‬المحققة‭ ‬للطاقات‭ ‬المذكورة،‭ ‬فهي‭ ‬مترابطة‭ ‬ترابطًا‭ ‬وثيقًا،‭ ‬وكل‭ ‬منها‭ ‬يتصل‭ ‬بالأخرى‭ ‬فيشكل‭ ‬مجملها‭ ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة،‭ ‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تقف‭ ‬تسمية‭ ‬الطاقة‭ ‬الحربية‭ ‬على‭ ‬قدم‭ ‬المساواة‭ ‬مع‭ ‬الطاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬ــ‭ ‬والمعنوية‭ ‬والعلمية‭ ‬ــ‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬وجودها‭ ‬بصورة‭ ‬مستقلة‭ ‬نسبيًا‭ ‬لا‭ ‬يسبب‭ ‬أي‭ ‬اعتراضات‭ ‬مبدئية‭.‬

يمكن‭ ‬تمييز‭ ‬بنية‭ ‬أخرى‭ ‬للقدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة‭ ‬عند‭ ‬تحليل‭ ‬سير‭ ‬تكونها‭ ‬وتطويرها،‭ ‬ويمكن‭ ‬في‭ ‬أساس‭ ‬هذه‭ ‬المعالجة‭ ‬تناول‭ ‬العلاقات‭ ‬التالية‭:‬

1‭. ‬الطاقة‭ ‬الإجمالية‭ ‬والحربية‭.‬

2‭. ‬الطاقة‭ ‬الحربية‭ ‬والقدرة‭ ‬الحربية‭.‬

3‭. ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة‭ ‬والقدرة‭ ‬القتالية‭ ‬للقوات‭ ‬المسلحة‭.‬

وسنستعرض‭ ‬الآن‭ ‬كل‭ ‬علاقة‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬المذكورة‭ ‬لنبين‭ ‬بعض‭ ‬النقاط‭ ‬الأساسية‭ ‬التالية‭:‬

طاقة‭ ‬الدولة‭ ‬الإجمالية‭ ‬والحربية

عند‭ ‬التأكد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة‭ ‬هي‭ ‬مجموعة‭ ‬الطاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العلمي‭ ‬والمعنوية‭ ‬والحربية‭ ‬يبرز‭ ‬السؤال‭ ‬التالي‭: ‬هل‭ ‬توجد‭ ‬الطاقة‭ ‬الحربية‭ ‬وجودًا‭ ‬مستقلاً‭ ‬بجانب‭ ‬الطاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والعلمية‭ ‬والمعنوية؟

يتضح‭ ‬بأن‭ ‬الطاقة‭ ‬الحربية‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬الطاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والعلمية‭ ‬والمعنوية‭ ‬بأنها‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬منفردة‭ ‬أو‭ ‬بجانب‭ ‬تلك‭ ‬الطاقات،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬تعتبر‭ ‬المشتق‭ ‬الرياضي‭ ‬من‭ ‬إمكانات‭ ‬الدولة‭ ‬كافة،‭ ‬حيث‭ ‬توجد‭ ‬سويًا‭ ‬لتشكل‭ ‬طاقاتها‭ ‬الإجمالية،‭ ‬وهذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مجموعة‭ ‬الطاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمعنوية‭ ‬والعلمية‭.‬

ولما‭ ‬كانت‭ ‬الطاقة‭ ‬الحربية‭ ‬بمثابة‭ ‬المشتق‭ ‬الرياضي‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬الإجمالية‭ ‬للدولة،‭ ‬فهي‭ ‬تتميز‭ ‬بقيمتين‭: ‬أولاً‭:‬‭ ‬قيمة‭ ‬تلك‭ ‬القوى‭ ‬والوسائط‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬تخصيصها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الدولة‭ ‬للأغراض‭ ‬الحربية،‭ ‬والتأكد‭ ‬من‭ ‬إمكاناتها‭ ‬الإجمالية‭. ‬وثانيًا‭:‬‭ ‬قيمة‭ ‬القوى‭ ‬والوسائط‭ ‬الإضافية‭ ‬التي‭ ‬تستطيع‭ ‬الدولة‭ ‬أن‭ ‬تخصصها‭ ‬للأغراض‭ ‬الحربية‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬التعبئة‭ ‬القصوى‭ ‬لمواردها‭ ‬كافة‭. ‬وتتعلق‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬مباشرة‭ ‬بالإمكانات‭ ‬الإجمالية‭ ‬للدولة‭ ‬التي‭ ‬تشمل‭ ‬الطاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والعلمية‭ ‬والمعنوية،‭ ‬ونظرًا‭ ‬لكون‭ ‬الطاقة‭ ‬الحربية‭ ‬متسقًا‭ ‬رياضيًا‭ ‬عنها،‭ ‬فهي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مجموع‭ ‬الطاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الحربية‭ ‬والعلمية‭ ‬الحربية‭ ‬والمعنوية‭ ‬أي‭ ‬جميع‭ ‬طاقات‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تستخدم‭ ‬لرفع‭ ‬قدرتها‭ ‬الحربية‭.‬

علاقة‭ ‬الطاقة‭ ‬الحربية‭ ‬والقدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة

قبل‭ ‬أن‭ ‬نتناول‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬ينبغي‭ ‬تدقيق‭ ‬ماهية‭ ‬المفهومين‭ (‬الطاقة‭ ‬الكامنة‭) ‬و‭(‬القدرة‭) ‬وعلاقتهما‭ ‬في‭ ‬الخطة‭ ‬العامة‭ ‬ذاتها‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬ظهورهما‭ ‬الفعلي‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والعلمية‭ ‬المعنوية‭ ‬والحربية‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬المنهجية‭. ‬إن‭ ‬طاقة‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬أو‭ ‬ذلك‭ ‬تشمل‭ ‬حسب‭ ‬رأينا‭ ‬إمكاناتها‭ ‬القصوى‭ (‬المعينة‭ ‬لا‭ ‬التجريدية‭) ‬أو‭ ‬بتعبير‭ ‬آخر،‭ ‬فإن‭ ‬الطاقة‭ ‬تشمل‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭ ‬العوامل‭ (‬القوى‭ ‬والوسائط‭) ‬المحققة‭ (‬فتح‭ ‬القاف‭) ‬الموجودة‭ ‬فعلاً‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة،‭ ‬والإمكانات‭ ‬الأخرى‭ ‬غير‭ ‬المحققة‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بها‭ ‬الدولة‭ ‬المقصودة،‭ ‬التي‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تعبئها‭ ‬وتحققها‭ ‬في‭ ‬شروط‭ ‬مناسبة‭.‬

إن‭ ‬أية‭ ‬طاقة‭ ‬للدولة‭ ‬تعتبر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حالة‭ (‬فترة‭ ‬من‭ ‬الزمن‭) ‬قيمة‭ ‬متحركة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كافٍ،‭ ‬وتتميز‭ ‬بمستوى‭ ‬محدد‭ ‬لتحقيقها،‭ ‬وبمستوى‭ ‬معين‭ ‬لتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬فعلي،‭ ‬وهذا‭ ‬يتعلق‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬الأسباب،‭ ‬ويعبر‭ ‬عن‭  ‬هذه‭ ‬العوامل‭ (‬بالقوى‭ ‬والوسائط‭) ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الراهنة‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أو‭ ‬العلمي‭ ‬أو‭ ‬المعنوي‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الحربي،‭ ‬والتي‭ ‬تعتبر‭ ‬القسم‭ ‬المحقق‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬بمفهومي‭: ( ‬القدرة،‭ ‬والتعامل‭)‬،‭ ‬وبتعبير‭ ‬آخر‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تستخدم‭ ‬مفاهيم‭ ‬القدرة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والعلمية‭ ‬والمعنوية‭ ‬والحربية‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬القسم‭ ‬المحقق‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الطاقات‭.‬

إلاّ‭ ‬أن‭ ‬القدرة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العلمية‭ ‬والمعنوية‭ ‬والحربية‭ ‬هي‭ ‬قيمة‭ ‬أكثر‭ ‬حركة‭ ‬من‭ ‬الطاقات‭ ‬الأخرى‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬تطورها‭ ‬الدائم،‭ ‬ويفسر‭ ‬ذلك‭ ‬بأن‭ ‬القدرة‭ ‬قد‭ ‬تتغير‭ ‬حسب‭ ‬تغير‭ ‬الطاقات‭ ‬المناسبة‭ ‬أو‭ ‬حسب‭ ‬أسباب‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭. ‬يسير‭ ‬تغير‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ (‬الاقتصادية،‭ ‬العملية،‭ ‬المعنية،‭ ‬الحربية‭) ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬مسالك‭: ‬أولا‭:‬ً‭ ‬على‭ ‬مسلك‭ ‬ازدياد‭ (‬نقصان‭) ‬الطاقة‭ ‬عن‭ ‬عند‭ ‬عدم‭ ‬تغير‭ ‬مستوى‭ ‬تحقيقها‭. ‬وثانيًا‭:‬‭ ‬على‭ ‬مسلك‭ ‬ازدياد‭ (‬نقصان‭) ‬القسم‭ ‬المتحقق‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬المعنية‭ ‬عند‭ ‬عدم‭ ‬تغير‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وبهذا‭ ‬تفسر‭ ‬إمكانية‭ ‬الوجود‭ ‬الواقعي‭ ‬المتحقق‭ ‬لقدرات‭ ‬مختلفة‭ ‬لدى‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بطاقات‭ ‬متعادلة،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يستبعد‭ ‬المسلك‭ ‬الثالث‭ ‬أيضًا‭ ‬الذي‭ ‬ينحصر‭ ‬بتغيير‭ ‬قيمة‭ ‬الطاقة‭ ‬المعنية‭ ‬ودرجة‭ ‬تحقيقها‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد‭. ‬ومن‭ ‬الناحية‭ ‬العلمية،‭ ‬نرى‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬أن‭ ‬العملية‭ ‬المشار‭ ‬إليها‭ ‬أعلاه‭ ‬تتم‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬العموم‭ ‬على‭ ‬المسلك‭ ‬الثالث‭ ‬الأخير،‭ ‬أي‭ ‬بتغير‭ ‬قيمة‭ ‬الطاقة‭ ‬ودرجة‭ ‬تحقيقها‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭.‬

وانطلاقًا‭ ‬من‭ ‬هذا،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭: ‬بأن‭ ‬استعراض‭ ‬محتوى‭ ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة‭ ‬كمجموعة‭ ‬متوسط‭ ‬إجمالي‭ ‬لطاقاتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والعلمية‭ ‬والمعنوية‭ ‬والحربية‭ ‬لا‭ ‬يعطي‭ ‬سوى‭ ‬الانطباع‭ ‬العام‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬فقط‭.‬

تتجلى‭ ‬وجهة‭ ‬نظرنا‭ ‬تلك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬القسم‭ ‬المتحقق‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬الحربية،‭ ‬ومجمل‭ ‬القوى‭ ‬والوسائط‭ ‬التي‭ ‬تخصصها‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬المعينة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬خوض‭ ‬الحرب‭. ‬ومن‭ ‬الواضح‭ ‬بأن‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬تنظم‭ ‬كمية‭ ‬هذه‭ ‬القوى‭ ‬والوسائط،‭ ‬وبالتالي‭ ‬قيمة‭ ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬حسب‭ ‬الشروط‭ ‬التاريخية‭ ‬المعينة‭ ‬والعلاقات‭ ‬القائمة‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭.‬

يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنحصر‭ ‬أسباب‭ ‬تغير‭ ‬قيمة‭ ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة‭: ‬بازدياد‭ ‬خطر‭ ‬الهجوم‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬المعنية،‭ ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭  ‬باستخدام‭ ‬الدولة‭ ‬للحرب‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬أهداف‭ ‬معينة‭. ‬وهناك‭ ‬أمثلة‭ ‬تاريخية‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬فقد‭ ‬توجب‭ ‬على‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬زيادة‭ ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬بصورة‭ ‬حادة‭ ‬عشية‭ ‬الحرب‭ ‬الوطنية‭ ‬العظمى‭ ‬نتيجة‭ ‬للخطر‭ ‬المتزايد‭ ‬لهجوم‭ ‬ألمانيا،‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬النفقات‭ ‬السنوية‭ ‬المتوسطة‭ ‬للدفاع‭ ‬قد‭ ‬بلغت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الثلاث‭ ‬من‭ ‬مشروع‭ ‬السنوات‭ ‬الخمسة‭ (‬26‭.‬4‭%)‬بالمائة‭ ‬فقد‭ ‬بلغت‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1940م‭ ‬حدًا‭ ‬غالبًا‭ ‬لم‭ ‬يعهده‭ ‬تاريخ‭ ‬الدولة‭ ‬السوفيتية‭ ‬سابقًا،‭ ‬وهو‭ (‬32‭.‬6‭%)‬،‭ ‬كما‭ ‬ازدادت‭ ‬إيقاعات‭ ‬النفقات‭ ‬الخاصة‭ ‬بتحضير‭ ‬الدفاع‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬بمعدل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرتين‭ ‬بالنسبة‭ ‬لإيقاعات‭ ‬ازدياد‭ ‬نفقات‭ ‬الميزانية‭ ‬الاجمالية‭.‬

انطلاقًا‭ ‬مما‭ ‬ذكر،‭ ‬يبرز‭ ‬السؤال‭ ‬التالي‭ ‬ضمن‭ ‬أية‭ ‬حدود‭ ‬تستطيع‭ ‬الدولة‭ ‬أن‭ ‬تضبط‭ ‬قيمة‭ ‬قدرتها‭ ‬الحربية؟‭ ‬هل‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تزيد‭ ‬قدرتها‭ ‬الحربية‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬أو‭ ‬أنه‭ ‬توجد‭ ‬لذلك‭ ‬حدود‭ ‬معينة،‭ ‬وإذا‭ ‬وجدت‭ ‬فبماذا‭ ‬تتعين؟

لا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تزيد‭ ‬قدرتها‭ ‬الحربية‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬تستطيع‭ ‬تجاوز‭ ‬حدود‭ ‬معينة‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬تجاوزها‭ ‬إلى‭ ‬الإخلال‭ ‬والإجهاد‭ ‬المفرط،‭ ‬وإلى‭ ‬انهيار‭ ‬الدولة‭ ‬المعنية،‭ ‬فمن‭ ‬الناحية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والعلمية‭ ‬والمعنوية‭ ‬نلاحظ‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬هي‭ ‬مثال‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بقدرة‭ ‬حربية‭ ‬تفوق‭ ‬إمكاناتها‭ ‬الذاتية،‭ ‬فهذه‭ ‬الدولة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لتتحمل‭ ‬النفقات‭ ‬الحربية‭ ‬الباهظة‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬خاصة،‭ ‬وكادت‭ ‬تلفظ‭ ‬أنفاسها‭ ‬الأخيرة‭ ‬لولا‭ ‬المعونة‭ ‬الهائلة‭ ‬التي‭ ‬مدتها‭ ‬بها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬والمنظمات‭ ‬الصهيونية‭ ‬بصورة‭ ‬مستمرة،‭ ‬ومنها‭ ‬العون‭ ‬المجاني‭.‬

الطاقة‭ ‬الحربية‭ ‬والقدرة‭ ‬الحربية

يتحدد‭  ‬المستوى‭ ‬الممكن‭ ‬والأقصى‭ ‬للقدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة‭ ‬بطاقتها‭ ‬الحربية‭ ‬أن‭ ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة‭ ‬تنهل‭ ‬من‭ ‬طاقتها‭ ‬الحربية،‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬قيمتها‭ ‬القصوى‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تحقيقها‭ ‬بكاملها،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التحقيق‭ ‬الكامل‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يتيسر‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬دائمًا‭. ‬وكقاعدة‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬أثناء‭ ‬السلم‭ ‬إلّا‭ ‬التحقيق‭ ‬الجزئي‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬تحويل‭ ‬طاقة‭ ‬الدولة‭ ‬الحربية‭ ‬إلى‭ ‬قدرة‭ ‬حربية‭ ‬لها‭. ‬وتزداد‭ ‬درجة‭ ‬تحقيق‭ ‬الطاقة‭ ‬الحربية‭ ‬مع‭ ‬ازدياد‭ ‬خطر‭ ‬الحرب‭ ‬أو‭ ‬الاستعداد‭ ‬لها،‭ ‬إلّا‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬شروط‭ ‬الحرب‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تحول‭ ‬الدولة‭ ‬طاقتها‭ ‬الحربية‭ ‬الكاملة‭ ‬إلى‭ ‬قدرة‭ ‬حربية‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬تخوض‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬عدو‭ ‬واهن‭ ‬القوى‭.‬

يتمتع‭ ‬الفهم‭ ‬الصحيح‭ ‬والعميق‭ ‬لتأثير‭ ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬لاحقًا‭ ‬بأهمية‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إعداد‭ ‬القيمة‭ ‬المثالية‭ ‬للقدرة‭ ‬الحربية‭.‬

إن‭ ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬ليست‭ ‬إلا‭ ‬القوى‭ ‬والوسائط‭ ‬لدى‭ ‬المجتمع‭ ‬المقصود،‭ ‬التي‭ ‬تنبعث‭ ‬من‭ ‬النشاط‭ ‬الإبداعي،‭ ‬ومن‭ ‬نتاج‭ ‬الخيرات‭ ‬المادية‭ ‬والروحية،‭ ‬وهي‭ ‬تعتبر‭ ‬حملًا‭ ‬ثقيلًا‭ ‬على‭ ‬اقتصاد‭ ‬البلاد‭. ‬وكلما‭ ‬ازدادت‭ ‬قيمة‭ ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬ازداد‭ ‬ثقل‭ ‬هذا‭ ‬الحمل‭ ‬الإضافي‭. ‬وقد‭ ‬طغى‭ ‬على‭ ‬كوكبنا‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحاضر‭ ‬سباق‭ ‬التسلح‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يعهد‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬النفقات‭ ‬الحربية‭ ‬السنوية‭ ‬بلغت‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم‭ ‬زهاء‭ ‬ترليون‭ ‬دولار‭ ‬كما‭ ‬أن‭ (‬50‭) ‬مليون‭ ‬ونيف‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬يعملون‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الحربي،‭ ‬وأكثر‭ ‬ثمار‭ ‬الأفكار‭ ‬العلمية‭ ‬تقدم‭ ‬قربانًا‭ ‬لجنون‭ ‬الحرب،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬والمهندسين‭ ‬والفنيين‭ ‬من‭ ‬الدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬يقارب‭ ‬الـ‭(‬400‭) ‬ألف‭ ‬منهمكون‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭.‬

إن‭ ‬تفهم‭ ‬التأثير‭ ‬السلبي‭ ‬لسباق‭ ‬التسلح‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬المجتمع‭ ‬يوضح‭ ‬تمامًا‭ ‬لماذا‭ ‬يسمى‭ ‬نزع‭ ‬السلاح‭ ‬بـ‭:(‬المثل‭ ‬الأعلى‭ ‬للاشتراكية‭)‬،‭ ‬ولماذا‭ ‬تناضل‭ ‬الشعوب‭ ‬باستمرار‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬المثل‭ ‬الأعلى‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬نزع‭ ‬السلاح؟‭ ‬تحت‭ ‬الرقابة‭ ‬الدولية‭ ‬الحازمة‭ ‬ينادي‭ ‬الدستور‭ ‬السوفيتي‭ ‬بـ‭:(‬تحقيق‭ ‬النزع‭ ‬العام‭ ‬والكامل‭ ‬للسلاح‭ ‬وتنفيذ‭ ‬مبدأ‭ ‬التعايش‭ ‬السلمي‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬ذات‭ ‬النظم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬المختلفة‭ ‬على‭ ‬مراحل‭)  ‬كأحدى‭ ‬المهام‭ ‬الأساسية‭ ‬للسياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬السوفيتية،‭ ‬ويدرك‭ ‬العالم‭ ‬أجمع‭ ‬جهود‭ ‬السوفيت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬ومقترحاتهم‭ ‬العديدة،‭ ‬التي‭ ‬ترمي‭ ‬إلى‭ ‬تخفيف‭ ‬سباق‭ ‬التسلح‭. ‬وقد‭ ‬أكد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الرئاسة‭ ‬الأعلى‭ ‬السوفيتي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬لدى‭ ‬السوفيت‭ ‬رغبة‭ ‬تفوق‭ ‬تحويل‭ ‬الوسائط‭ ‬التي‭ ‬قضت‭ ‬الضرورة‭ ‬حاليًا‭ ‬بفصلها‭ ‬عن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الشعبي‭  ‬إلى‭ ‬مجراها‭ ‬الأصلي‭ ‬وتكريسها‭ ‬لزيادة‭ ‬المستوى‭ ‬الحياتي‭ ‬للكادحين‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الأهداف‭ ‬الخلاقة‭.‬

إلاّ‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬المقترحات‭ ‬حول‭ ‬نزع‭ ‬السلاح‭ ‬الكامل‭ ‬أو‭ ‬الجزئي‭ ‬تبقى‭ ‬دون‭ ‬تجاوب‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الدوائر‭ ‬الإمبريالية‭ ‬التي‭ ‬تحلم‭ ‬بالتفوق‭ ‬الحربي‭ ‬على‭ ‬خصومها‭ ‬وإيقاف‭ ‬التطور‭ ‬الحثيث‭ ‬للإنسانية‭. ‬وقد‭ ‬نوّه‭ ‬وزير‭ ‬الدفاع‭ ‬السوفيتي‭ ‬المارشال‭ ‬د‭.‬فأوستينوف‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬بعدم‭ ‬جدوى‭ ‬هذه‭ ‬المحاولات‭ ‬حيث‭ ‬قال‭: ‬‮«‬إن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والعلم‭ ‬والتكنيك‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬قد‭ ‬بلغ‭ ‬الآن‭ ‬ذلك‭ ‬المستوى‭ ‬العالي‭ ‬الذي‭ ‬يمكننا‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة‭ ‬من‭ ‬إنشاء‭ ‬أي‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الأسلحة‭ ‬التي‭ ‬يعتمد‭ ‬عليها‭ ‬الآن‭ ‬أعداء‭ ‬السلام‭ ‬والاشتراكية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬السوفيتية‭ ‬لم‭ ‬تعلن‭ ‬أبدًا‭ ‬أن‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬التنافس‭ ‬والسباق‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬التقني،‭ ‬وحيث‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬يشكل‭ ‬تهديدًا‭ ‬لقضية‭ ‬السلام‭.‬

إن‭ ‬قيمة‭ ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬في‭ ‬الأقطار‭ ‬الرأسمالية‭ ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬الأقطار‭ ‬الأخرى‭ ‬لا‭ ‬تحدد‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬مصالح‭ ‬الدفاع‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أهداف‭ ‬السياسة‭ ‬العدوانية‭ ‬ومطامع‭ ‬مجموع‭ ‬القائمين‭ ‬على‭ ‬الصناعة،‭ ‬الذين‭ ‬يزداد‭ ‬دخلهم‭ ‬بشكل‭ ‬طردي‭ ‬مع‭ ‬ازدياد‭ ‬إنتاج‭ ‬السلاح‭. ‬وتعمل‭ ‬دوائرها‭ ‬الحاكمة‭ ‬على‭ ‬تخويف‭ ‬سكان‭ ‬أقطارها‭ ‬من‭ (‬خطر‭ ‬الحرب‭) ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬تناقش‭ ‬فيها‭ ‬الميزانيات‭ ‬الحربية،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬التهويش‭ ‬يبتدعون‭ ‬فنونًا‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬سباق‭ ‬التسلح،‭ ‬وتظهر‭ ‬الأنواع‭ ‬الجديدة‭ ‬من‭ ‬السلاح‭ ‬والعتاد‭ ‬الحربية‭. ‬وقد‭ ‬حذر‭ ‬السوفيت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬من‭ ‬العواقب‭ ‬الخطيرة‭ ‬التي‭ ‬تنجم‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭.‬

هكذا‭ ‬ينبغي‭ ‬عند‭ ‬تحديد‭ ‬قيمة‭ ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬مخيلتنا‭ ‬علاقتها‭ ‬بقيمة‭ ‬الطاقة‭ ‬الحربية‭ ‬أو‭ ‬بمستوى‭ ‬تحقيقها‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭. ‬إن‭ ‬وجود‭ ‬الحد‭ ‬الأعلى‭ ‬يجعل‭ ‬الطاقة‭ ‬الحربية‭ ‬والقدرة‭ ‬الحربية‭ ‬تتغيران‭ ‬تغيرًا‭ ‬كافيًا‭ ‬حسب‭ ‬المهام‭ ‬الملقاة‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬الدولة‭.‬

القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة،‭ ‬والقدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للقوات‭ ‬المسلحة

تتجسد‭ ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬القتالية‭ ‬لقواتها‭ ‬المسلحة،‭ ‬وتعتبر‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬الأداة‭ ‬الأساسية‭ ‬للدولة‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬القوى‭ ‬الحربية‭ ‬وقدرتها‭ ‬وتنفذ‭ ‬وظيفة‭ ‬الواسطة‭ ‬الأساسية‭ ‬لخوض‭ ‬الحرب،‭ ‬وتمثل‭ ‬القدرة‭ ‬القتالية‭ ‬للقوات‭ ‬المسلحة‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة،‭ ‬وتنهل‭ ‬منها‭ ‬مباشرة‭. ‬وكلما‭ ‬ازدادت‭ ‬الطاقة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تنشئ‭ ‬قدرة‭ ‬حربية‭ ‬أكبر‭ ‬وأن‭ ‬تنفق‭ ‬على‭ ‬قوات‭ ‬مسلحة‭ ‬كبيرة‭.‬

إن‭ ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة‭ ‬والعامل‭ ‬السياسي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬مقارنته‭ ‬مع‭ ‬طاقات‭ ‬الدولة‭ ‬بصورة‭ ‬تجريدية‭ ‬فقط‭ ‬عند‭ ‬تقدير‭ ‬القيمة‭ ‬الممكنة‭ ‬لقدرتها‭ ‬الحربية‭. ‬نظرًا‭ ‬لأن‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بالطاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والعلمية‭ ‬الأكبر‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تتمتع‭ ‬دائمًا‭ ‬بالطاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الحربية‭ ‬والعلمية‭ ‬الحربية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬بالطاقة‭ ‬الحربية،‭ ‬زد‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بطاقات‭ ‬حربية‭ ‬متعادلة‭ ‬تقريبًا‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تنشئ‭ ‬دائمًا‭ ‬قدرة‭ ‬حربية‭ ‬متساوية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬القيمة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬قوات‭ ‬مسلحة‭ ‬متعادلة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬قدرتها‭ ‬القتالية،‭ ‬ويرجع‭ ‬هذا‭ ‬الاختلاف‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إمكانات‭ ‬تحقيق‭ ‬جميع‭ ‬أنواع‭ ‬الطاقات‭ ‬لدى‭ ‬الأقطار‭ ‬مختلفة،‭ ‬ويظهر‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭ ‬عند‭ ‬المقارنة‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬ذات‭ ‬النظم‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬المختلفة‭.‬

من‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬الاشتراكية‭ ‬تتمتع‭ ‬بميزة‭ ‬إيجابية‭ ‬لا‭ ‬جدال‭ ‬فيها‭ ‬عند‭ ‬مقارنتها‭ ‬مع‭ ‬الرأسمالية،‭ ‬ففي‭ ‬زمن‭ ‬الحرب‭ ‬الوطنية‭ ‬العظمى‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬أظهر‭ ‬النظام‭ ‬الاشتراكي‭ ‬تفوقه‭ ‬الكامل‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الآخر،‭ ‬وقد‭ ‬ساعد‭ ‬النظام‭ ‬الاشتراكي‭ ‬لاقتصاد‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬موارده‭ ‬وقواه‭ ‬المادية‭ ‬والروحية‭ ‬لأغراض‭ ‬الحرب‭ ‬استخدامًا‭ ‬مجديًا‭ ‬وعقلانيًا،‭ ‬ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬ارتفع‭ ‬فيه‭ ‬الإنتاج‭ ‬الحربي‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬عام‭ ‬1943م‭ ‬بحدود‭ (‬2‭ ‬،‭ ‬4‭) ‬مرة‭ ‬بالمقارنة‭ ‬مع‭ ‬مستوى‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الحرب،‭ ‬فإنه‭ ‬لم‭ ‬يرتفع‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬سوى‭ ‬بحدود‭  (‬2‭.‬3‭) ‬مرة‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬تنتج‭ ‬المعادن‭ ‬والفحم‭ ‬والقوة‭ ‬الكهربائية‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر،‭ ‬فقد‭ ‬استخرجت‭ ‬ألمانيا‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1943م‭  (‬266‭.‬5‭) ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬من‭ ‬الفحم‭ ‬أي‭ ‬بحدود‭ (‬3‭) ‬أضعاف‭ ‬إنتاج‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬وحصلت‭ ‬على‭ (‬73‭.‬9‭) ‬مليار‭ ‬كيلو‭ ‬واط‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬الكهربائية،‭ ‬أي‭ ‬بحدود‭ (‬2‭.‬3‭) ‬ضعفًا‭ ‬على‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬الذي‭ ‬قلّ‭ ‬لديه‭ ‬عدد‭ ‬عمال‭ ‬الصناعة‭ ‬بمعدل‭ ‬الثلث‭ ‬بالمقارنة‭ ‬مع‭ ‬عام‭ ‬1940م،‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يقدم‭ ‬للجبهة‭ ‬السلاح‭ ‬والعتاد‭ ‬القتالي‭ ‬بمعدل‭ ‬يزيد‭ ‬كثيرًا‭ ‬عمّا‭ ‬قدمته‭ ‬ألمانيا‭ (‬5‭) ‬مرات،‭  ‬وذلك‭ ‬بالاستفادة‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الاشتراكي‭.‬

كل‭ ‬ذلك‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬عند‭ ‬تقدير‭ ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة‭ ‬ينبغي‭ ‬حساب‭ ‬إمكاناتها‭ ‬حسب‭ ‬تحقيق‭ ‬جميع‭ ‬الطاقات‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الأكثر‭ ‬كمالاً‭ ‬وتعدادًا،‭ ‬وحسب‭ ‬استخدامها‭ ‬الأكثر‭ ‬فعالية‭. ‬إن‭ ‬درجة‭ ‬هذه‭ ‬الإمكانية‭ ‬لدى‭ ‬الدول‭ ‬مختلفة،‭ ‬وتحدد‭ ‬حسب‭ ‬طبيعة‭ ‬نظامها‭ ‬السياسي‭ ‬والاجتماعي‭.‬

وهنا‭ ‬يظهر‭ ‬ــ‭ ‬حسب‭ ‬وجهة‭ ‬نظرنا‭ ‬ــ‭ ‬أحد‭ ‬الجوانب‭ ‬الخاصة‭ ‬بتأثير‭ ‬العوامل‭ (‬الطاقة‭) ‬السياسي‭ ‬ــ‭ ‬الاجتماعي‭.‬

كما‭ ‬يوجد‭ ‬جنب‭ (‬خط‭) ‬آخر‭ ‬أيضًا‭ ‬لتأثير‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬ــ‭ ‬الاجتماعي‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة‭ (‬على‭ ‬القدرة‭ ‬القتالية‭ ‬لقواتها‭ ‬المسلحة‭). ‬كما‭ ‬يدل‭ ‬تاريخ‭ ‬الحروب‭ ‬بأن‭ ‬النصر‭ ‬في‭ ‬المعركة‭ ‬أو‭ ‬العملية‭ ‬أو‭ ‬الحرب‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬دائمًا‭ ‬حليف‭ ‬ذلك‭ ‬الجانب‭ ‬الذي‭ ‬يتمتع‭ ‬بمكونات‭ ‬القدرة‭ ‬القتالية‭ ‬للقوات‭ ‬المسلحة،‭ ‬فالتاريخ‭ ‬يذكر‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬والعمليات‭ ‬والمعارك‭ ‬التي‭ ‬ظفر‭ ‬بها‭ ‬بالنصر‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬دون‭ ‬خصمه‭ ‬قوة‭ ‬مادية،‭ ‬وقد‭ ‬كانت‭ ‬الإمكانات‭ ‬الروحية‭ ‬والمعنوية‭ ‬المختلفة‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬من‭ ‬أسباب‭ ‬ذلك،‭ ‬فالقدرة‭ ‬أو‭ ‬الطاقة‭ ‬المعنوية‭ ‬ودرجة‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬معنوي‭ ‬فعّال‭ ‬تتعلقان‭ ‬بطبيعة‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬والنظام‭ ‬السياسي‭ ‬ــ‭ ‬الاجتماعي‭ ‬السائدين‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬المعني،‭ ‬فالمجتمع‭ ‬الاشتراكي‭ ‬فقط‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يتمتع‭ ‬بالعامل‭ ‬المعنوي‭ ‬الكبير‭ ‬سواء‭ ‬كطاقة‭ ‬أو‭ ‬كقدرة‭ ‬محققة‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭.‬

وهكذا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬دور‭ ‬العنصر‭ ‬السياسي‭ ‬ــ‭  ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدول‭ ‬واستخدامها‭ ‬عظيمًا‭ ‬ومهمًا‭ ‬فما‭ ‬دام‭ ‬ينفذ‭ ‬إلى‭ ‬طاقات‭ ‬الدولة‭ ‬كافة،‭ ‬ويؤثر‭ ‬بشكل‭ ‬جوهري‭ ‬على‭ ‬إيقاعات‭ ‬التطور‭ ‬ودرجة‭ ‬تحقيقها‭ ‬وفعالية‭ ‬استخدامها،‭ ‬لذلك‭ ‬ينبغي‭ ‬عند‭ ‬تقدير‭ ‬الطاقة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة‭ ‬وبالتالي‭ ‬قدرتها‭ ‬الحربية‭ ‬الممكنة‭ ‬والقدرة‭ ‬القتالية‭ ‬للقوات‭ ‬المسلحة‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬نحسب‭ ‬أبعاد‭ ‬الطاقة‭ ‬الإجمالية‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬تأثير‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬ــ‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للدولة‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬درجة‭ ‬تحقيق‭ ‬أنواع‭ ‬الطاقات‭ ‬كلها‭ ‬وفعالية‭ ‬استخدمها‭.‬

هكذا‭ ‬تؤثر‭ ‬الطاقات‭: ‬الاقتصادية‭ ‬والعلمية‭ ‬والمعنوية‭ ‬في‭ ‬أساس‭ ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدول،‭ ‬ومع‭ ‬نمو‭ ‬هذه‭ ‬الطاقات‭ ‬تنمو‭ ‬الطاقة‭ ‬الحربية‭ ‬المشتقة‭ ‬منها،‭ ‬والتي‭ ‬تعتبر‭ ‬مصدرًا‭ ‬لتشكيل‭ ‬القدرة‭ ‬الحربية‭ ‬للدولة‭ ‬والقدرات‭ ‬القتالية‭ ‬الجسام‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للقوات‭ ‬المسلحة،‭ ‬وتنفيذ‭ ‬المهام‭ ‬التربوية‭  ‬والفكرية‭ ‬لا‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬تقدم‭ ‬المجتمع‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬يتيح‭ ‬أيضًا‭ ‬إمكانات‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭.‬

  • 130٬460
  • 47٬381